محمد بن علي الشوكاني
3561
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
رسالتي هكذا : " وذلك غرر فله التخلص بالفسخ " . انتهى . فهذا تصريح لا يبقى بعده ريب لمرتاب ، ولا ينافي ذلك إثبات الخيار مع العلم بالتعذر كما لا يخفى ، وإن أراد بالقاضي القاضي عياض فكلامه الذي نقله ونقلناه يشتمل على خيار تعذر تسليم المبيع ، كما يشتمل على غيره من الخيارات حسبما أوضحناه ، فينبغي تحرير هذا المقام بما هو مقبول من الكلام . قال - كثر الله فوائده - : فما ذكره القاضي في غاية التكلف ، وبمحل من عدم القبول . إن كان سبب التكلف ، وعدم القبول هو كون كلام النجري يخالفه فهذا الاعتراض في غاية الاعتساف ، وبمحل من عدم الإنصاف ، وأما دعوى أنه صالح للعلية فمجرد الصلاحية لا يستلزم أن يكون الصالح هو العلة دون غيره مما هو أصلح منه ، أو مماثلا في الصلاحية . وأما دعوى أن الشارع جعله مناطا في غيره فلا يستلزم أن يكون مناطا فيه لا عقلا ولا شرعا . قال - كثر الله فوائده - : بل فيه ما يدل على قصر السببية على التصرية من مخالفها للقياس بإرجاع صاع من التمر . أقول : هذا منه - عافاه الله - جمود وحنين إلى الوطن الذي حبب إلى الرجال ، وهو التقليد الذي نشأ كل فرد من أفراد العالم عليه وإن اختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ، ومن كان عالما بما ورد من في الشريعة الغراء ضمن الأعيان لأربابها وجد فيها ضمان الشيء بمماثل له ، وإن لم يكن مثليا في عرف الفقهاء كما في تضمينه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ولعائشة - رضي الله عنها - قصعة مثل القصعة التي كسرتها على بعض أمهات المؤمنين ( 1 ) ، وضمان الشيء بغير مماثل له كصاع التمر عن لبن المصراة ،
--> ( 1 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2481 ) وأبو داود رقم ( 3567 ) والترمذي رقم ( 1359 ) وابن ماجة رقم ( 2334 ) والنسائي ( 7 / 70 رقم 3955 ) من حديث أنس " أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال : وقال : كلوا . . ودفع القصعة الصحيحة للرسول وحبس المكسورة . ولفظ الترمذي قال : " أهدت بعض أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طعام بطعام وإناء بإناء " .